21يوليو

كل يوم يزول عني حبيبٌ

“كل يوم يزول عني حبيبٌ  // يا لقلبي من فرقةِ الأحباب”!

رحَلَ عن عالَمِنا هذا قبلَ أيامٍ الوالدُ وابنُ عمِّنا الشيخُ الخليفة ابنُ الشيخِ عبدي فال. كان -رحمه الله- مُحيطًا زاخرًا بالعلم، وَرِعًا، مُتواضِعًا.. يَفيضُ محبةً ووَجْدًا، ولا يرى في هذا الكونِ سِوى الله!
حرفيًّا كان لا يرى في الكونِ غيرَ الله!
آخِرُ مرةٍ حَظِيتُ بمقابلتِه كانت قبلَ نحوِ 12 سنة!! وقد سجَّلتُ تلك الجلسةَ كاملةً، وضاعت مني إلى أن وجدتُ بعضًا من ذلك التسجيلِ مؤخرًا، لحُسْنِ الحظِّ.

كان بِوُدِّي -بل من أحلامي- أن أجدَ فرصةً أخرى لمجالستِه ومقابلتِه لوقتٍ أطول. وكان هذا من أهدافِ أيِّ زيارةٍ إلى موريتانيا مستقبلًا. ويبدو أن مشيئةَ الله قد شاءت غيرَ ذلك، إذْ أنني لَنْ أحظى بمقابلته مطلقًا!
كان -رحمه الله- يُوليني محبتَه الخاصة، فيفرحُ حين أحظى بمجالستِه، ولا يُنكِرُ غيرَ ذلك، بل يكسِرُ قواعدَ رجالِ الصحراء وتقاليدَ بعضِ “الزوايا” من عدمِ البَوْح، فيقول: إني أحبُّك بالقَدْرِ الذي أحبُّ أن أجالسَك فيه.. ولا أحبَّ إليَّ من أن تزوروني وتجالِسوني، وأسمعَ منكم وتسمَعوا مني… أبنائي، لا أريدُ أن أُملي عليكم شيئًا، ولكن أريدُ أن نتجالسَ ونتحدثَ ونتناقشَ في هذا الشأن (شؤون المعرفة) -وأنا أترجمُ من الحسانية- “أولادي فاتح لكم المجال فشدْ لخبار” (مجالُ المناقشةِ مفتوحٌ لكم أبنائي).
“إنني أبحث عمَّن أعالج بمجالسته الخواطر النفسية التي أعتبرها عدوا (انلود الحد انروخ به الخواطر النفسية التي اعتبرها عدوا). فما أنتم فيه الآن من المفاوضات الخلقية الوقتية.. أرى أنه لا يستحق كل هذا العناء. إن أياما تقضونها على منهجكم المنزل من لدن حكيم عليم، يجب أن تكون أولى من هذه المفاوضات الخلقية الوقتية! صحيح أنه قال: لا تنس نصيبك من الدنيا، ولكن قيلت لمن وفيمن؟ أليست لقارون؟
– محمد يسلم (ولعل هذا الاسم الذي كان يحب أن يناديني به)؛ عليك بالسماع، فعلمُ الوقت فوق الثلثين! ما أحاول أن أقول لكم – وإن بدا غريبا على بعضكم – فإنه حتما ليس غريبا على أرواحكم.. لا يمكنه أن يكون غريبا على أرواحكم أبدا. إذ إن الروح البشرية مطية المعرفة، وإذا حلَّت المعرفة باتصال القلب بالله انعكس العلم على الجوارح المبتلة من ذلك النبع.. وهو نبع لا يمكن أن ينضب. انظر معي: “ما نفدت كلمات الله… قل إن كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي”.. هذه هي فتوح قلوب العارفين التي أشير إليها
– واللهِ
– أنت قلتَ: واللهِ؟ أشكرك.
ثم دخل في صوت خافت: استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله. ثم عاد قائلا: .. فمعنى قولي سابقا أن العلم في القلب هو انبعاث قوة التأنيث وصدق الطلب. “الطلبْ الِّ شامطُ الفقر امتين” (الطلب الذي يقلقه الفقر صعب/ الطلب الذي يَشَدُّ عَضُدَه بالفَقْرِ قوي)، أليس كذلك؟ هذا هو الحوض، وهذا هو مدار ما جاء به محمد، وهو الموصل إلى اليقين. إذ لا يقين يمكن أن يحصل به العبد غير القرآن: “تذكرة لمن يخشى.. تنزيلا من رب حكيم”.. فبأي طريق يضيع على الشخص هذا الهدى ويغيب عنه! وهذا هو الحوض، وهو مدار ما جاء به محمد. فالطبيب الذي لا يفهم كل نسبة ما ينسبُها.. وكل مرض، وسبب الداء، ولايعرف حجم الداء في المادة لمعرفة ما يحتاجه، ولا يفرق بين العافية والمرض، ليس طبيبا… الطبيب(طبيب القلوب) لا بد أن يفهم القرآن. فكلمة “هدىً” لم تتكرر في شيء كما تكررت في القرآن، فأي قلق يلحق العبد من معاني القرآن غير المتشابهة فهو قلق غير مبرر. ومن يلحقه إيمانه ضعيفٌ (ماه حاكم بيده شيء)، سوى قرار أكثر ما فيه دعوة النفس من الوجود! إذ أي يقين يمكن أن يحصل به العبد غير القرآن.. “تذكرة لمن يخشى…تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى”! ولا توجد آية إلا وهي تشير إلى الطريق، والأمراض، وتشرحها وتعرفها شيئا فشيئا….! فالتربية والوصول إلى المعرفة التي أعني هو على وفق حواسك.. منها ما يأتي من الآذان حسب السماع، ومنها ما يأتي من العين، ومنها ما يأتي من القلب، وهذا طبعا لا يأتي حتى تكسب نسبة العلم المأخوذ عبر “الطريق”، إذ حينها سيظهر لك التجلي. كان القرآن يشير لك إلى نفسك أنها آية، ويشير لما حولك كذلك: “وفي الأرض آيات للموقنين”. قال: للموقنين، وليس للجميع. والنفس كذلك مناط هذا اليقين: “وفي أنفسكم أفلا تبصرون”. (كررها كثيرا ثم قال… هذا استفهام إنكاري قوي مخوف! صاحب الإضاءة يقول:
“فاقرأ “وفي أنفسكم مع” أفَلا// تَظْفَرْ برُشدٍ نورُهُ ما أَفِلا
واسْتَجلِ معنى ً منْ لِنفسِهِ عرَفْ // تلْحقْ بمَنْ مِنْ نهْرِ عِرْفانٍ غَرَفْ”!
-ألا تتذكر هذا؟ هذه كتبكم، وهذا قريب عليكم. ثم صمت.. وهو يهمس لنفسه ويكرر في صوت خافت: استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، تماما كما فعلها في المرة الأولى، قبل أن يعود ويواصل الحديث
– فصورة الكون هذه بها كثير من المغيبات.. صحيح أن “النصارى” (الغربيون) لديهم تمكن ومعرفة ظاهرة ببعض عناصر هذا الكون، وهذا طبيعي. فبحسب فهومنا نحن في المعاني، فهم أيضا لديهم قابلية للوصول إلى بعض المعاني الصورية، وهذا مفهوم، فكله اشتقاق من الخالق، إنما المعاني الفعلية غير الظاهرية “يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا” لا تُدْرَكُ إلا بالتأمل، وسلوك الطريق، والصبر، ومجاهدة النفس… ولكن أقول لكم كما قال هو:
قال: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه”.. ألا تسمعونني؟ نعم، هذه لنا جميعا. “ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه”. فالعطف على النهي هنا هو من لوازم ذلك طبعا… “وكان أمره فرطا”…! هذه بعض من مدخل عناصر التربية، إذا لم أفصح عنها لكم أكون قد حرمتكم حقكم في المعرفة.”
ثم يُظهِرُ التسجيلُ أننا طلبنا الإذنَ بالخروج لأن سفرًا وراءَنا! وهو يقول: ماذا سيَضيرُكم لو بَقِيتُم هنا؟ نحن لم نُناقِشْ بعدُ “ما فتنا شدين الأخبار”!
كم كنتُ جاهلاً بالغيبِ حين سمحتُ للوقتِ أن يأخذَني من تلك الجلسةِ التي ستكونُ آخِرَ جلسةٍ لي معه، فتحوَّلَ الحديثُ من حديثِ المعارفِ إلى المخطوطات، وسمَحَ لي بالاطلاعِ على ما لديه من مخطوطاتٍ وملاحظات، بعضُها لا يزالُ عندي حتى اليوم، فجزاه الله خيرًا.
عاشَ المرحومُ الخليفةُ حوالي 108 سنة، قضاها في المعرفة، وحبِّ الله، والزهد، والبُعدِ عن الأضواء. فهو يحيا بالحبِّ، ولا يرى في هذا الكونِ سِوى الله. ولقد رأيتُه في فيديو قصيرٍ منشورٍ على بعضِ وسائلِ التواصل، وهو يترنَّمُ وبيدِه سبحته، في حالٍ من الوجدِ العجيب، أمامَ بعضِ زائريه ممن أرادوا أن يُسمِعوه بعضَ طَرَبِ أهلِ المحبةِ وهم يُنشِدون:
“إنَّ أرضاً ليس فيها // حبُّ طه لَيَبابُ
وقلوباً ليس فيها // حبُّ طه لَخرابُ”.
وبالفعل، فقد كان لا يَكُفُّ عن الذِّكرِ أو التذكُّرِ والتفكُّرِ في الحبيب، وفي واجبِ الوجودِ الذي يراه في كلِّ شيء، بل لا يرى شيئًا سوى ما يدل على معرفتِه ومعرفةِ السبيلِ إليه:
“ما الناسُ سوى قومٍ عرفوك // وغيرهمُ همجٌ همجُ”.
كان يَطرَبُ ويشعرُ بلحظاتِ انتشاءٍ حين يسمعُ حديثًا عن الذِّكر، بل إنه في آخرِ أيامِه -حسبَ من كان يُرافِقُه- كان يعيشُ بالذِّكرِ حرفيًّا! وحين يتغيَّرُ الحديثُ إلى غيرِ المعرفةِ والذِّكرِ يعودُ إلى حالِه من الضعفِ والوَهَن.. وكأنه سقيم.
وليس هذا بغريب، فهذا هو حالُ أهلِ الوجدِ وأهلِ المحبة:
أهلُ المحبةِ ما نالوا الذي وجدوا
حتى لِربِّهِمُ في الخَلوةِ انفردوا
تراهُمُ الدهرَ لا يمضونَ من بلدٍ
إلا ويبكي عليهمُ ذلك البلدُ
فالذِّكرُ مطعمُهم والسُّكْرُ مشربُهم
والوَجدُ مركبُهم من أجلِ ذا سَعِدوا
لا يعطِفونَ على مالٍ ولا وَلَدٍ
ولا ينامونَ إذْ حيثُ الورى رَقَدوا”.

فرحمه الله تعالى، وغفر لنا وله.
ولكم أنا حزينٌ أنني لم أحظَ بما يكفي من الوقتِ لأتعلَّمَ منه، إذ من سُخريةِ الوقتِ أنني دفعتُ ما لا يقلُّ عن 20 ألفَ دولارٍ كرسومٍ لأربعةِ فصولٍ دراسيةٍ في بعضِ جامعاتِ الخواجةِ العليا حولَ الفلسفةِ والتصوُّف، وخاصةً فلسفةِ ابن عربي. وكان المرحومُ يُتيحُ كلَّ هذه مجانًا، وهو العارفُ بها، بل من يعيشُها، وليس كما يدرّسُها الخواجةُ مجردَ ألفاظٍ تُترجَمُ وتُشرَح عبر تآليف الأستاذ وليام تشتيك William Chittick وغيره، ولكنها لا تسيرُ بك إلى أيِّ مكان!


اكتشاف المزيد من Saad Elhady l سعد الهادي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

----
شارك التدوينة !

© Copyright 2012-2026, All Rights Reserved
// نهاية الصفحة